ابن حزم
852
الاحكام
مثله في العلم ، وعارضهم بعض الشافعيين بما حدثناه هشام بن سعيد الخير بن فتحون قال : ثنا عبد الجبار المقرئ بمصر ، نا الحسن بن الحسين النجيرمي ، ثنا جعفر بن محمد الأصبهاني ، نا يونس بن حبيب ، نا أبو داود الطيالسي ، نا جعفر بن سليمان ، عن النضر ابن معبد ، عن الجارود ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض علما ، اللهم إنك أذقت أولها عذابا أو وبالا فأذق آخرها نوالا . فقالوا : هذه صفة الشافعي ، فما ملا الأرض علما قرشي غيره ، وحدثنا أحمد بن محمد بن الجسور قال : نا ابن أبي دليم ، نا ابن وضاح ، نا أبو بكر ابن أبي شيبة ، عن عبد الأعلى ، عن معمر الأزهري ، عن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : تعلموا من قريش ولا تعلموها ، وقدموا قريشا ولا تؤخروها . فإن للقرشي قوة الرجلين من غير قريش . قال أبو محمد : وهذا حديث صحيح ، أصح من حديثهم الذي شنعوا به . وأما الحقيقة في ذلك الحديث فهي : أن الصفة التي بين صلى الله عليه وسلم في ذلك الحديث لم تأت بعد هذا ، إن صح الحديث المذكور ، لان الزمان إلى الآن لم تكن قط فيه البلاد عارية من عالم يضاهي علماء المدينة ، فقد كان في عصر الصحابة بالعراق ابن مسعود وعلي وسليمان ، وكان بالشام معاذ وأبو الدرداء ، وكان بمكة ابن عباس ، ولا يحل لذي ورع وعلم أن يقول : إن عمر وعائشة وأبي بن كعب وزيد بن ثابت كانوا أفقه من علي وابن مسعود ومعاذ وما ابن عباس بمتأخر عمن ذكرنا . ثم أتى التابعون ، فلا يقدر ذو ورع وعلم أن يقول : إن سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار كانا أفقه من عطاء والحسن وعلقمة والأسود ، ثم أتى صغار التابعين ، فلا يقدر ذو ورع وعلم أن يقول : إن ربيعة والزهري وأبا الزناد كانوا أفقه من إبراهيم النخعي ، وعامر والشعبي وسعيد بن جبير وأيوب السختياني وعمر بن عبد العزيز ، ثم أتى عصر مالك ، فكان معه ابن أبي ذئب وسفيان الثوري والأوزاعي وابن جريج والليس ، وليس أحد ممن ذكرنا دونه في رواية ولا دراية ولا ورع ، ثم هكذا إلى أن انقطع الفقه من المدينة جملة . واستقر في الآفاق .